الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

378

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

( الإنجيل ) والعهد القديم ( التوراة والكتب الملحقة بها ) نجد أن كل هذه الكتب تفتقر إلى المسحة السماوية ، أي أنها ليست خطابا موجها من الله إلى البشر ، بل إنها مقولات وردت على ألسنة تلامذة موسى والمسيح ( عليهما السلام ) وأتباعهما على شكل سرد لحوادث تاريخية وسير ، والظاهر أن اليهود والمسيحيين اليوم لا ينكرون ذلك ، إذ أن حكاية موت موسى وعيسى وحوادث كثيرة أخرى وقعت بعدهما وردت في هذه الكتب ، لا باعتبارها تنبؤات عن المستقبل ، بل سردا لحوادث ماضية ، فهل يمكن لكتب مثل هذه أن تكون قد نزلت على موسى وعيسى ؟ ! كل ما في الأمر أن المسيحيين واليهود يعتقدون أن هذه الكتب قد كتبت بأيدي أناس عندهم أخبار عن الوحي ، فاعتبروها كتبا مقدسة خالية من الخطأ ويمكن الاعتماد عليها . بناء على هذا يتضح لنا لماذا كان هؤلاء ينتابهم العجب لدى سماعهم أسلوب القرآن بشكل خطاب من الله إلى النبي وإلى عباد الله ؟ وكما قرأنا في سبب نزول هذه الآية فإنهم قد انتابهم العجب فسألوا الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إن كان الله قد أنزل عليه - حقا - كتاب ، ثم أنكروا هذا الأمر كليا ونفوا أن يكون أي كتاب قد نزل على أحد ، حتى على موسى . غير أن الله يرد عليهم قائلا : إنكم - أنفسكم - تعتقدون أن ألواحا ومواضيع قد نزلت على موسى ، أي إن الكتاب الذي بين أيديكم وان لم يكن كتابا سماويا إلا أنكم تؤمنون - على الأقل - بأن شيئا مثل هذا قد نزل من قبل الله ، وأنتم تظهرون قسما منه وتخفون كثيرا منه : وعلى ذلك فلا يبقى مجال للشك في إمكان إنكار اليهود نزول كتاب سماوي . أما إذا كانت الآية كسائر آيات هذه السورة تخص المشركين ، فيكون المعنى أنهم أنكروا نزول أي كتاب سماوي لانكار ونفي دعوة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولكن الله يبين